الاستعارة في اللغة العربية
الاستعارة من أهم أبواب البلاغة العربية، وهي من صور البيان التي تجعل الكلام أقوى تأثيرًا وأجمل تصويرًا. تقوم الاستعارة على تشبيهٍ حُذف منه أحد طرفيه، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
بعبارة أبسط: عندما نستخدم كلمة في غير معناها الأصلي بسبب وجود علاقة مشابهة بين المعنيين، نكون أمام استعارة.
مثال تمهيدي
إذا قلنا:رأيتُ أسدًا في ساحة المعركة، فالمقصود ليس الحيوان المفترس، بل رجل شجاع. هنا شُبّه الرجل الشجاع بالأسد، ثم حُذف المشبّه وهو الرجل، وذُكر المشبّه به وهو الأسد. لذلك فهذه استعارة.
الفرق بين التشبيه والاستعارة
التشبيه يذكر غالبًا الطرفين معًا، أما الاستعارة فتحذف أحد الطرفين.
- تشبيه: الجندي كالأسد في الشجاعة.
- استعارة: رأيتُ أسدًا يقاتل في المعركة.
في الجملة الأولى ذُكر الجندي والأسد، فهي تشبيه. أما في الجملة الثانية فقد حُذف الجندي وذُكر الأسد فقط، فهي استعارة.
أركان الاستعارة
لفهم الاستعارة يجب الانتباه إلى العناصر الآتية:
- المستعار منه: وهو المشبّه به الذي أُخذت منه الصفة.
- المستعار له: وهو المشبّه الذي نريد وصفه.
- اللفظ المستعار: الكلمة التي استُعملت في غير معناها الحقيقي.
- القرينة: كلمة أو معنى يمنع من فهم الكلام على حقيقته.
في قولنا:ابتسمت الزهرة، كلمة ابتسمت قرينة؛ لأن الزهرة لا تبتسم حقيقة، والمقصود أنها تفتحت وأظهرت جمالها.
أنواع الاستعارة في اللغة العربية
للاستعارة أنواع متعددة، وتختلف بحسب الطرف المحذوف، أو نوع الكلمة المستعارة، أو ما يصاحبها من ألفاظ ملائمة. وأهم هذه الأنواع هي:
أولًا: الاستعارة التصريحية
الاستعارة التصريحية هي التي يُحذف فيها المشبّه ويُصرَّح بالمشبّه به.
مثال: رأيتُ أسدًا يحمل السيف.
المقصود رجل شجاع، لا أسد حقيقي. حُذف المشبّه وهو الرجل الشجاع، وذُكر المشبّه به وهو الأسد، لذلك تسمى استعارة تصريحية.
مثال آخر: أشرق القمر في الحفل.
المقصود فتاة جميلة أو شخص جميل الوجه. حُذف المشبّه، وذُكر المشبّه به وهو القمر.
تحليل المثال:
- المشبّه المحذوف: الفتاة الجميلة أو الشخص الجميل.
- المشبّه به المذكور: القمر.
- القرينة: وجود القمر في الحفل، وهذا يمنع إرادة القمر الحقيقي.
- نوع الاستعارة: تصريحية.
ثانيًا: الاستعارة المكنية
الاستعارة المكنية هي التي يُحذف فيها المشبّه به، ويُذكر شيء من صفاته أو لوازمه يدل عليه.
مثال: ابتسمت الزهور.
شُبّهت الزهور بإنسان يبتسم، ثم حُذف الإنسان، وبقيت صفة من صفاته وهي الابتسام. لذلك فهي استعارة مكنية.
مثال آخر: عضّنا البرد.
شُبّه البرد بحيوان أو إنسان يعض، ثم حُذف المشبّه به، وبقيت صفة العض. لذلك فهي استعارة مكنية.
تحليل المثال:
- المشبّه المذكور: البرد.
- المشبّه به المحذوف: حيوان أو إنسان يعض.
- الدليل على المشبّه به المحذوف: عضّنا.
- نوع الاستعارة: مكنية.
كيف أفرّق بين التصريحية والمكنية؟
القاعدة سهلة:
- إذا ذُكر المشبّه به صراحة، فهي استعارة تصريحية.
- إذا حُذف المشبّه به وذُكرت صفة من صفاته، فهي استعارة مكنية.
مثال تصريحية: رأيت أسدًا في المدرسة. المقصود طالب شجاع، ولفظ الأسد مذكور صراحة.
مثال مكنية: زأرت الرياح. شُبّهت الرياح بأسد، وحُذف الأسد، وبقي الزئير.
ثالثًا: الاستعارة التمثيلية
الاستعارة التمثيلية لا تكون في كلمة واحدة فقط، بل تكون في تركيب أو جملة كاملة تُستعمل في موقف يشبه موقفًا آخر.
مثال: رجع بخُفّي حُنين.
هذا التعبير لا يُقصد به الخفّان حقيقة، بل يُقال لمن رجع خائبًا بعد أن كان ينتظر النجاح أو الربح. فالجملة كلها نُقلت من معناها الأصلي إلى معنى جديد بسبب المشابهة بين حالتين.
مثال آخر: سبق السيف العذل.
تقال لمن وقع الأمر منه وانتهى، ولم يعد اللوم نافعًا. فالتعبير كله استعارة تمثيلية؛ لأنه يُستعمل في كل موقف يشبه القصة أو الصورة الأصلية.
رابعًا: الاستعارة الأصلية
الاستعارة الأصلية هي التي يكون اللفظ المستعار فيها اسمًا جامدًا، أي ليس فعلًا ولا مشتقًا.
مثال: رأيت بحرًا من العلم.
كلمة بحر اسم جامد، واستُعملت للدلالة على إنسان واسع العلم. لذلك فهي استعارة أصلية.
مثال آخر: هذا الطالب نجم في مدرسته.
كلمة نجم اسم جامد، والمقصود أنه متفوق ومشهور بين زملائه.
خامسًا: الاستعارة التبعية
الاستعارة التبعية هي التي يكون اللفظ المستعار فيها فعلًا أو اسمًا مشتقًا أو حرفًا.
مثال: نطقت الحال بالحقيقة.
الفعل نطقت استُعمل في غير معناه الحقيقي؛ لأن الحال لا تنطق حقيقة، وإنما تدل وتكشف. لذلك فالاستعارة هنا تبعية.
مثال آخر: جرى الأمل في القلوب.
الفعل جرى استُعمل للأمل، مع أن الجريان يكون للماء ونحوه. لذلك فالاستعارة تبعية.
سادسًا: الاستعارة المرشحة
الاستعارة المرشحة هي التي يُذكر معها ما يلائم المشبّه به، أي ما يقوّي صورة المشبّه به في الكلام.
مثال: رأيت أسدًا يزأر في وجه الأعداء.
المقصود رجل شجاع. كلمة أسد استعارة تصريحية، وكلمة يزأر تلائم الأسد الحقيقي، لذلك زادت الصورة قوة، وتسمى الاستعارة مرشحة.
سابعًا: الاستعارة المجردة
الاستعارة المجردة هي التي يُذكر معها ما يلائم المشبّه، لا المشبّه به.
مثال: رأيت أسدًا يحمل كتبه ويدخل الصف.
المقصود طالب شجاع أو متميز. كلمة أسد استعارة، لكن عبارة يحمل كتبه ويدخل الصف تلائم الطالب، لا الأسد الحقيقي. لذلك تسمى استعارة مجردة.
ثامنًا: الاستعارة المطلقة
الاستعارة المطلقة هي التي لا يُذكر معها ما يلائم المشبّه ولا ما يلائم المشبّه به، أو يُذكر معها ما يلائمهما معًا دون ترجيح واضح.
مثال: رأيت أسدًا في الطريق.
إذا كان المقصود رجلًا شجاعًا، ولم نذكر شيئًا يلائم الأسد أو الرجل، فالاستعارة مطلقة.
تاسعًا: الاستعارة التحقيقية
الاستعارة التحقيقية هي التي يكون فيها المعنى المستعار ممكن الوقوع أو متحققًا في الواقع أو العقل.
مثال: أضاء العالم بعلمه عقول الناس.
العلم لا يضيء إضاءة حسية كالمصباح، لكنه يزيل الجهل ويهدي العقول، وهذا معنى مفهوم ومتحقق. لذلك تكون الاستعارة تحقيقية.
عاشرًا: الاستعارة التخييلية
الاستعارة التخييلية هي التي تقوم على إثبات شيء متخيّل للمشبّه، وغالبًا تأتي مرتبطة بالاستعارة المكنية.
مثال: أنشبت المنية أظفارها.
شُبّهت المنية بوحش أو حيوان مفترس، ثم حُذف المشبّه به، وذُكر شيء من لوازمه وهو الأظفار. هذه الصورة تجعل القارئ يتخيل المنية كأنها كائن مفترس، لذلك تسمى استعارة تخييلية.
جدول مختصر لأنواع الاستعارة
| النوع | التعريف المختصر | مثال |
|---|---|---|
| تصريحية | حُذف المشبّه وذُكر المشبّه به | رأيت أسدًا يقاتل |
| مكنية | حُذف المشبّه به وذُكر شيء من صفاته | ابتسمت الزهور |
| تمثيلية | تكون في تركيب كامل لا في كلمة واحدة | رجع بخفي حنين |
| أصلية | يكون اللفظ المستعار اسمًا جامدًا | هذا الطالب نجم |
| تبعية | يكون اللفظ المستعار فعلًا أو مشتقًا أو حرفًا | نطقت الحال |
| مرشحة | يُذكر معها ما يلائم المشبّه به | أسد يزأر في المعركة |
| مجردة | يُذكر معها ما يلائم المشبّه | أسد يحمل كتبه |
| مطلقة | لا يُذكر معها ما يلائم أحد الطرفين بوضوح | رأيت أسدًا |
| تحقيقية | يكون المعنى المستعار ممكنًا أو مفهومًا | أضاء العلم العقول |
| تخييلية | تجعل المشبّه كأنه شيء متخيّل بصفة من صفات المشبّه به | أنشبت المنية أظفارها |
طريقة تحليل الاستعارة في الامتحان
لتحليل أي استعارة اتبع الخطوات الآتية:
- اقرأ الجملة كاملة ولا تحكم من كلمة واحدة فقط.
- اسأل نفسك: هل الكلمة مستعملة في معناها الحقيقي أم المجازي؟
- حدد الشيء المشبَّه والشيء المشبَّه به.
- انظر: أي الطرفين مذكور وأيهما محذوف؟
- إذا كان المشبّه محذوفًا والمشبّه به مذكورًا فهي تصريحية.
- إذا كان المشبّه مذكورًا والمشبّه به محذوفًا مع بقاء صفة من صفاته فهي مكنية.
- ابحث عن القرينة التي منعت المعنى الحقيقي.
- اكتب أثر الاستعارة في المعنى إذا طُلب منك ذلك.
أثر الاستعارة في المعنى
لا تأتي الاستعارة للزينة اللفظية فقط، بل لها أثر بلاغي واضح، ومن آثارها:
- تقوية المعنى وجعله أكثر تأثيرًا.
- تحويل المعنى المعنوي إلى صورة محسوسة.
- إثارة الخيال عند القارئ.
- اختصار الكلام مع زيادة جماله.
- إبراز الصفة المقصودة بقوة، مثل الشجاعة أو الجمال أو القسوة أو الحزن.
مثال: العلم نور.
هذه استعارة تجعل العلم كأنه نور يبدد ظلام الجهل، فتقوي المعنى وتجعله واضحًا في ذهن القارئ.
أمثلة محللة
المثال الأول: ضحكت الأرض بعد المطر.
- المقصود: ازدهرت الأرض واخضرّت.
- شُبّهت الأرض بإنسان يضحك.
- حُذف المشبّه به وهو الإنسان.
- ذُكر شيء من صفاته وهو الضحك.
- النوع: استعارة مكنية.
المثال الثاني: في المدرسة نجوم يضيئون طريق النجاح.
- المقصود: طلاب متفوقون.
- حُذف المشبّه وهو الطلاب.
- ذُكر المشبّه به وهو النجوم.
- النوع: استعارة تصريحية.
المثال الثالث: أقبل الربيع يلبس ثوبه الأخضر.
- شُبّه الربيع بإنسان يلبس.
- حُذف الإنسان.
- ذُكر شيء من لوازمه وهو اللباس.
- النوع: استعارة مكنية.
المثال الرابع: زرعت الدولة الأمل في نفوس الشباب.
- الفعل زرعت استُعمل في غير معناه الحقيقي.
- الأمل لا يُزرع حقيقة مثل النبات.
- المقصود: بثّت الدولة الأمل في النفوس.
- النوع: استعارة تبعية؛ لأن اللفظ المستعار فعل.
أخطاء شائعة عند تحديد الاستعارة
- الخلط بين التشبيه والاستعارة؛ فإذا وُجد الطرفان غالبًا يكون الكلام تشبيهًا لا استعارة.
- اعتبار كل تعبير جميل استعارة، وهذا خطأ؛ فلا بد من وجود استعمال مجازي قائم على المشابهة.
- نسيان القرينة؛ فالقرينة ضرورية حتى نعرف أن المعنى غير حقيقي.
- الخلط بين التصريحية والمكنية؛ والحل هو النظر إلى الطرف المذكور: هل المذكور هو المشبّه أم المشبّه به؟
تدريب سريع
حدد نوع الاستعارة في الجمل الآتية:
- افترس المرض جسده. استعارة مكنية؛ لأن المرض شُبّه بوحش يفترس.
- رأيت بحرًا يتحدث في العلم. استعارة تصريحية؛ لأن العالم شُبّه بالبحر وذُكر المشبّه به.
- صرخت الجدران من شدة الألم. استعارة مكنية؛ لأن الجدران شُبّهت بإنسان يصرخ.
- نثر المعلم العلم في عقول طلابه. استعارة تبعية؛ لأن الفعل نثر استُعمل للعلم مجازًا.
- لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. يمكن أن يستعمل استعمالًا تمثيليًا إذا قيل في موقف التحذير من تكرار الخطأ.
الخلاصة
الاستعارة صورة بلاغية تقوم على تشبيه حُذف أحد طرفيه. فإذا حُذف المشبّه وذُكر المشبّه به فهي استعارة تصريحية، وإذا ذُكر المشبّه وحُذف المشبّه به وبقيت صفة من صفاته فهي استعارة مكنية. وقد تأتي الاستعارة في تركيب كامل فتسمى تمثيلية، وقد تُصنَّف بحسب نوع اللفظ إلى أصلية وتبعية، وبحسب ما يصاحبها إلى مرشحة ومجردة ومطلقة. فهم الاستعارة لا يعتمد على الحفظ فقط، بل على تحليل المعنى ومعرفة الطرف المحذوف والقرينة.
مراجع مناسبة للتوسع
- البلاغة الواضحة، علي الجارم ومصطفى أمين.
- جواهر البلاغة، أحمد الهاشمي.
- دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني.
- أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني.